ولكن هذه الشبهة إنما تنطلي على من لم يقف على معاني كتاب الله عز وجل، ولم يتعرف على الإسلام وعياً وفهماً وثقافة، وإنما انتمى إلى الإسلام انتماءاً تقليدياً كما يقولون. وها أنا في هذا الموقف أجيب باختصار عن هذا السؤال، محاولاً طرد هذه الشُبَه من أفئدة المسلمين وعقولهم.
أما بالنسبة للمسلمين - قبل أن نتحدث عن الجاحدين، وقبل أن نتحدث عن الإرهاب الأمريكي القذر - أما بالنسبة للمسلمين فإنكم لتعلمون أن الله عز وجل يقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} [الأنفال: 8/25] أي كونوا على حذر من فتنة قد تنتشر في أوساط المجتمع الإسلامي، ويكون سببها بعض المسلمين، ويكون البقية ملتزمين مستقيمين قائمين على العهد. هذا كلام الله عز وجل نقرؤه نظرياً، أما تطبيقه عملياً لقد خلد البيان الإلهي بيان هذه السنة بشكلها العملي في غزوة أحد، غزوة أحد التي كان سداها ولحمتها من المسلمين سبع مئة مقاتل، وعلى رأسهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان من المفروض أن يكون النصر حليفهم، وأن يحصنوا بحصن الوقاية الإلهية. ولكن من أجل خطأ اجتهادي وقعت فيه ثلة يسيرة من أصحاب رسول الله، لا يزيدون على خمسة وعشرين، أو ثلاثين رجلاً، من أجل هذه الخطيئة التي وقعت فيها هذه القلة، تحول النصر إلى هزيمة، وتحول التوفيق إلى خذلان، ولم يشفع لذلك وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم، بل أصاب رشاش ذلك شخص المصطفى عليه الصلاة والسلام، كسرت رباعيته، شج وجهه، وقع في كمين، كل ذلك لماذا؟ لأن خطأَ وهو خطأٌ اجتهادي، وقعت فيه ثلة يسيرة من أصحاب رسول الله، خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحول النصر بسبب ذلك إلى هزيمة.
فتعالوا يا عباد الله قارنوا بين ذلك الغلط اليسير الذي وقع فيه خمسة وعشرون رجلاً بالنسبة لسبع مئة مقاتل وعلى رأسهم رسول الله، وبين الأخطاء الكثيرة التي ينجرف فيها المسلمون اليوم، ويبتعدون فيها عن حدود الله: إنْ في معتقداتهم، أو في سلوكهم، أو في معاملاتهم، أو في أخلاقياتهم، على مستوى الواقع المدني، وعلى مستوى الواقع العسكري.
عندما تقارنون - كما أقول لكم - بين حجم الأخطاء التي يقع المسلمون فيها اليوم تُجاه ربهم، وحجم ذلك الخطأ الذي وقع فيه المسلمون يوم أحد، عندئذ تعلمون أن ربكم سبحانه وتعالى قد أكرمنا بقدر كبير من الرحمة، نحن نستأهل الخسف بناءً على ما قد عامل به الباري عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بناءً على ذلك المقياس نحن نستأهل الخسف، نحن نستأهل الدمار، والوقت لا يتسع لأستعرض معكم مظاهر الأخطاء، مظاهر الانحرافات، مظاهر الاستخفاف بدين الله سبحانه وتعالى.
هذا بالنسبة لحال المسلمين، فماذا بالنسبة لحال الكفرة الذين مكنهم الله عز وجل من رقابنا، وهلاّ حجب عنهم النصر لكفرهم؟ حجب عنا النصر لأخطائنا فهلا حجب النصر عن أولئك الناس لكفرهم؟
الجواب: مرة أخرى نعود إلى كتاب الله، مرة أخرى نعود إلى سنن رب العالمين مع عباده، انظروا إلى قوله سبحانه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 6/42-43] صورة طبق الأصل لكفرة الطغاة في هذا العصر: {فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 6/43-44] فتحنا عليهم أبواب كل شيء، أغرقناهم في النعيم، أغرقناهم في أفانين المتع، هيّأنا لهم مظاهر النصر في تقلباتهم وأحوالهم، فتحنا عليهم أبواب كل شيء، وهذه هي الأبواب مفتحة أمامهم اليوم. {حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 6/44].
هذا كلام الله عز وجل، هل تجدون في واقع السياسة الإلهية مع هؤلاء الطغاة الكفرة ما يتعارض مع هذه السنة الربانية، هؤلاء الكفرة الذين نقول إن طغيانهم يجثم على صدر العراق، فعلاً الإرهاب الأمريكي القذر جاثم ولا يزال على صدر العراق، يحتل أرضه، ويأخذ حقه، ويستلب أرواح البرآء. نعم وها هو ذا القتل، يستعر القتل في فلسطين، يستعر بأصحاب الأرض، بأصحاب الحقوق، يستعر بالبرآء. نعم، هذا من معنى من قوله عز وجل: {فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 6/44] تلك هي سنة رب العالمين لكن إلى حين. شاء الله عز وجل أن يفتح لهم أبواب كل شيء، ومن جملة الأشياء النصر كما ترون، لكن إلى حين {حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 6/44] وهذا اليوم قادم لا ريب فيه.
وانظروا إلى تاريخ الأمم الغابرة، جرت فيها سنن رب العالمين على هذا المنوال، وسنن الباري سبحانه وتعالى لا تتبدل، لن تجد لسنة الله تبديلاً.
لبث سيدنا نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ألف سنة والكفر يسرح ويمرح، والطغيان يزداد، وسيدنا نوح بني الله عز وجل موجود بين ظهرانيهم. نعم ومع ذلك فقد كانت بحسب الظاهر ظاهرة النصر للطغيان، كانت ظاهرة التوفيق والقوة والعزة والغنى للطغيان، وكان مظهر التذلل والخنوع لسيدنا نوح، أجل. ولكن ماذا كانت العاقبة؟ ماذا كانت النتيجة؟ {حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 6/44] صدق على قوم نوح هذا الذي قاله الله سبحانه وتعالى، ولكن ضمن هذه السنة الربانية التي ألزم الباري عز وجل ذاته بها، وما جرى لقوم نوح هو الذي جرى لقوم ثمود، وهو الذي جرى لقوم صالح، وهو الذي جرى لقوم لوط، أجل.
عودوا إلى سياسة رب العالمين مع عباده الطغاة التائهين المستكبرين على الله، تجد أنه يملي لهم وهو القائل: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 7/183] الإنسان يستعجل ويريد أن يُخْضع نظام رب العالمين لعجلته، ومن ثمَّ يسأل: أين هو نصر الله عز وجل؟ ولعلكم عرفتم الجواب.
الجواب يتألف من شطرين:
أين هم المؤمنون الذين صدقوا مع الله عز وجل، والذين صَدَّق سلوكُهم دعاوي ألسنتهم؟ أين هم هؤلاء؟ عندما نسأل هذا السؤال نجد أنفسنا أمام ركام من الأغلاط والأخطاء وسوء العلاقة مع رب العالمين سبحانه وتعالى، هذا هو الشطر الأول من الجواب.
الشطر الثاني لا تستعجل، لا تستعجل ما تنتظره من إهلاك الله سبحانه وتعالى للطغاة، لله عز وجل قانون، لله عز وجل سنة، يملي، يملي، ثم يملي، ثم إنه إذا أخذ أخذه أخْذَ عزيز مقتدر.
وأنا أقول لكم من هذا المكان، وأقسم بالله العلي العظيم، أن حَيْنَ أمريكا قادم لا شك فيه، وأن اليوم الذي ستدفن فيه أمريكا في قبر قذر من الهلاك قريب، ولكن الزمن بيد الله عز وجل، والناس يستعجلون،
.
.
الجمعة, 18 جمادى الأولى, 1429
بسم الله الرحمن الرحيم
شبهة خطيرة تطوف برؤوس كثير من المسلمين في هذه الأيام، ربما تسببت عنها شكوك ورِيَب، تدخل في عقولهم، تشككهم بوعد الله سبحانه وتعالى، وربما بعدالته، رمضان - هذا الشهر المعظم - يستقبله العالم الإسلامي بترحاب، المساجد تفيض في هذا الشهر بالمصلين، بالركع السجود، والكل يبتهل، والكل يدعو، ومع ذلك فإن فلسطين لا يزال يستمر فيها القتل، والبيوت تهدم على رؤوس أصحابها البرآء الآمنين، والإرهاب الأمريكي جاثم على صدر العراق يفعل ما يفعل، دون أي ملاحظة لما يسمى بحقوق الإنسان، ودون أي ملاحظة للعدل وموازينه ورمضان شهر النصر، فكيف يغيب هذا النصر، وتغيب رحمات الله عز وجل عن عباده في هذا الشهر المبارك؟ وواقع المسلمين على ما قد وصفت. هذه هي الشبهة أيها الإخوة.
وقانون الله لا يتبدل

الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
(6) تعليقات
أضف تعليقا
اضيف في 19 جمادى الأولى, 1429 08:25 ص , من قبل mama2007
من فلسطين
من فلسطين

عزيزي اياد سيأتي انشاء الله النصر قريب
جزاك ربي كل خير على موضوعك
تمنياتي لك بالسعاده
ماما نرجس
اضيف في 19 جمادى الأولى, 1429 02:38 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين
من فلسطين

اخي اياد
لا يحق للعبد ان يمتحن الله
وادع وانت موقن بالاجابة
واعقل وتوكل
ودمت ودام عطاؤك
تحياتي مستر حوار
اضيف في 26 جمادى الأولى, 1429 10:49 م , من قبل buthcer
من مصر
من مصر

اولا ياخى فى الله انا معجب بى هذا المقال جدا ان نصر الله قريب انشاء الله ياخى اهم شىء الدعاء ويفك كرب المسلمين كلهم
ثانيا انا مجب برايك فى الموضوع الذى ردت عليه لسلمى وانت ردت على فى وارجو ارسل الامميل الخاص ليك ليه وعلى فكره انا عضو جديد امضاء محمد بوتشير
اضيف في 29 جمادى الأولى, 1429 09:19 ص , من قبل mafhm
من سوريا
من سوريا

اخي اياد
لن يموت الامل ابدا
ولابد من ان ينصر عباده المؤمنين
كون بخير
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.













من المغرب
اخي العزيز عندما يادن الله سياتي النصر انشاء الله.امضاء حسن